الشيخ محمد علي التسخيري

28

محاضرات في علوم القرآن

للألفاظ ، كما أن تسميته بالقرآن إيماءة إلى حفظه في الصدور لأنّ القرآن مصدر القراءة وفي القراءة استذكار فهذا الوحي العربي المبين قد كفل له من العناية به ما كفل صيانته في حرز حريز . . . إذ لم ينقل كجميع الكتب بالكتابة وحدها ولا الحفظ وحده بل وافقت كتابته تواتر أسناده ، ووافق أسناده المتواتر نقله الأمين الدقيق ) . « 1 » ونحن لا نستطيع أن نقف عند هذا الحد بل قد نرفضه باعتبار أن هاتين التسميتين جاء بهما القرآن نفسه ولقّنهما الإسلام أتباعه لا أنّهما جاءتا بعد ذلك لتشيرا إلى صفتين متأخّرتين حدثتا أو توقّع لهما أن تحدثا فيه وهما قراءته وكتابته وصيانته بهما من التحريف . والبحث المفصل عن مداليل هذه الأسماء إنّما يكون في علم التفسير إلّا أنّنا نشير إلى أنّ ( قرأ ) يأتي بمعنى جمع ، ولذا نقل الراغب الأصبهاني في مفرداته تسمية هذا الكتاب قرآنا من بين كتب اللّه لكونه جامعا لثمرة كتبه بل لجمعه ثمرة جميع العلوم كما أشار اليه تعالى بقوله : وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ « 2 » وقوله تعالى : تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ « 3 » . كما أنّ « تقرأ الشيء » يعني تفهمه وتطّلع على أسراره . كما أنّنا نشير إلى أنّ الكتاب لا يطلق على مفهوم الكتابة الحرفي ، وإنّما له مدلولات تبعيّة مقترنة به تماما ، كالإلزام كما في كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ « 4 » ومدلول ( التقدير ) كما في كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي « 5 » ، وقد ذكر ابن شيدلة أنّ تسميته الكتاب لأنه جمع بين العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه ، وهذا يعني أنّ

--> ( 1 ) راجع النبأ العظيم : 13 ومباحث في علوم القرآن : 17 . ( 2 ) يوسف : 111 . ( 3 ) النحل : 89 . ( 4 ) البقرة : 183 . ( 5 ) المجادلة : 21 .